الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

172

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته . انتهى . وقد فسر أيضا بالميل على أحد الشقين ، وبه فسر ابن الجوزي : وقيل هو الاعتماد على الشيء ، وقيل : أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض . وقد أخرج ابن عدي بسند ضعيف : زجر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل . قال الإمام مالك : هو نوع من الاتكاء ، قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني : وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكئا ، ولا يختص بصفة بعينها ، وحكى ابن الأثير في النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب . وقال ابن القيم : إنه يضر بالآكل ، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء . وأما الاعتماد على الشيء فهو جلوس الجبابرة المنافى للعبودية ، ولهذا قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « آكل كما يأكل العبد » « 1 » . وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائل والوطاء الذي تحت الجالس - كما ذكرته عن الخطابي - فيكون المعنى : أنى إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام ، لكني آكل بلغة من الزاد ، فلذلك أقعد مستوفزا . وفي حديث أنس أنه - صلى اللّه عليه وسلم - أكل تمرا وهو مقع « 2 » ، من الجوع . وفي رواية : وهو محتفز . والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن . واختلف السلف في حكم الأكل متكئا ، فزعم ابن القاص : أن ذلك من خصائصه - صلى اللّه عليه وسلم - . وتعقبه السهيلي فقال : قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين ، وأصله مأخوذ من ملوك العجم ، قال : فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئا لم يكن في ذلك كراهة ، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك ، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 3771 ) في الأطعمة ، باب : ما جاء في الأكل متكئا ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن أبي داود » .